الشيخ عبد الغني النابلسي
401
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
لو فعل ذلك فرعون أي حسنة يثاب عليها كما قال اللّه تعالى : أولئك يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [ الفرقان : 70 ] يعني بذلك في الحكم الإلهي فبعد أن يكون الحكم عليها بأنها سيئات يصير بأنها حسنات . فظهر الحكم الإلهي هنا ، أي في العصا عينا متميزة عما سواها في جوهر واحد وهو ماهيتها الأصلية التي كانت فيها في حال كونها عصا فهي العصا ومع ذلك هي الحية والثعبان الظاهر ، وقد ظهر لفرعون من موسى عليه السلام ما كان عنه فرعون من طاعة العين الواحدة لمقتضى رتبة موسى عليه السلام في إظهار ما شاء من المراتب ، ثم قال موسى عليه السلام : بمرتبة عينه على مرتبة فرعون لإبطال دعواه وإظهار عجزه عما يحاول فالتقم ذلك الثعبان أمثاله من الحيات التي جاءت بها السحرة من كونها ، أي عصا موسى عليه السلام حية والتقم العصي بالتشديد جمع عصاة ، أي ما جاء السحرة من عصيهم من كونها ، أي عصا موسى عليه السلام عصا ولم يبق لحيات السحرة ولا لعصيهم أثر في الوجود أصلا كل هذا ولم تتغير حية موسى عليه السلام ولا عصاه كما كانت عليه . فظهرت ، أي انتصرت عند ذلك حجة موسى عليه السلام أي آيته ودليله وبرهانه على حجج ، أي أدلة فرعون وكان ذلك في صورة عصي جمع عصا وحيات وحبال فكانت للسحرة الحبال ، لأنهم أثوابها ولم يكن لموسى عليه السلام حبل وإنما له العصا والحبل بالباء الموحدة التحتية قبلها حاء مهملة يطلق في اللغة على التل الصغير فهو إشارة إلى قدرهم أي مقاديرهم يعني السحرة في العلم بالنسبة إلى قدر موسى عليه السلام بمنزلة الحبال بالحاء المهملة ، أي التلال المستطيلة من الرمل من الجبال بالجيم جمع جبل الشامخة العالية العظيمة . * * * فلمّا رأت السّحرة ذلك علموا رتبة موسى في العلم ، وأنّ الّذي رأوه ليس من مقدور البشر وإن كان من مقدور البشر فلا يكون إلّا ممّن له تميز في العلم المحقّق عن التّخيّل والإيهام ، فآمنوا بربّ العالمين ربّ موسى وهارون : أي الرّبّ الّذي يدعو إليه موسى وهارون ، لعلمهم بأنّ القوم يعلمون أنّه ما دعا لفرعون . ولمّا كان فرعون في منصب التّحكّم صاحب الوقت ، وأنّه الخليفة بالسّيف - وإن جار في العرف النّاموسي - لذلك قال : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى أي وإن كان الكلّ أربابا بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظّاهر من التّحكّم فيكم . ( ) -